محمد بن جرير الطبري
5
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول تعالى ذكره : ودليل لهم أيضا على قدرة الله على فعل كل ما شاء اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ يقول : ننزع عنه النهار . ومعنى " منه " في هذا الموضع : عنه ، كأنه قيل : نسلخ عنه النهار ، فنأتي بالظلمة ونذهب بالنهار . ومنه قوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها أي خرج منها وتركها ، فكذلك انسلاخ الليل من النهار . وقوله : فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ يقول : فإذا هم قد صاروا في ظلمة بمجيء الليل . وقال قتادة في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ قال : يولج الليل في النهار ، ويولج النهار في الليل وهذا الذي قاله قتادة في ذلك عندي ، من معنى سلخ النهار من الليل ، بعيد ؛ وذلك أن إيلاج الليل في النهار ، إنما هو زيادة ما نقص من ساعات هذا في ساعات الآخر ، وليس السلخ من ذلك في شيء ، لأن النهار يسلخ من الليل كله ، وكذلك الليل من النهار كله ، وليس يولج كل الليل في كل النهار ، ولا كل النهار في كل الليل . وقوله : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها يقول تعالى ذكره : والشمس تجري لموضع قرارها ، بمعنى : إلى موضع قرارها ؛ وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر الرواية بذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا جابر بن نوح ، قال : ثنا الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر الغفاري ، قال : كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فلما غربت الشمس ، قال : " ويا أبا ذر هل تدري أين تذهب الشمس ؟ " قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : " فإنها تذهب فتسجد بين يدي ربها ، ثم تستأذن بالرجوع فيؤذن لها ، وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت ، فتطلع من مكانها ، وذلك مستقرها " وقال بعضهم في ذلك بما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قال : وقت واحد لا تعدوه وقال آخرون : معنى ذلك : تجري لمجرى لها إلى مقادير مواضعها ، بمعنى : أنها تجري إلى أبعد منازلها في الغروب ، ثم ترجع ولا تجاوزه . قالوا : وذلك أنها لا تزال تتقدم كل ليلة حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع . وقوله : ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ يقول : هذا الذي وصفنا من جري الشمس لمستقر لها ، تقدير العزيز في انتقامه من أعدائه ، العليم بمصالح خلقه ، وغير ذلك من الأشياء كلها ، لا يخفى عليه خافية . القول في تأويل قوله تعالى : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها اختلفت القراء في قراءة قوله : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ فقرأه بعض المكيين وبعض المدنيين وبعض البصريين : " والقمر " رفعا عطفا بها على الشمس ، إذ كانت الشمس معطوفة على الليل ، فأتبعوا القمر أيضا الشمس في الإعراب ، لأنه أيضا من الآيات ، كما الليل والنهار آيتان ، فعلى هذه القراءة تأويل الكلام : وآية لهم القمر قدرناه منازل . وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض المدنيين وبعض البصريين ، وعامة قراء الكوفة نصبا : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ بمعنى : وقدرنا القمر منازل ، كما فعلنا ذلك بالشمس ، فردوه على الهاء من الشمس في المعنى ، لأن الواو التي فيها للفعل المتأخر . والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، فتأويل الكلام : وآية لهم ، تقديرنا القمر منازل للنقصان بعد تناهيه وتمامه واستوائه ، حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ؛ والعرجون : من العذق من الموضع النابت في النخلة إلى موضع الشماريخ ؛ وإنما شبهه جل ثناوه بالعرجون القديم ، والقديم هو اليابس ، لأن ذلك من العذق ، لا يكاد يوجد إلا متقوسا منحنيا إذا قدم ويبس ، ولا يكاد أن